يتم التشغيل بواسطة Blogger.
RSS

مشهد .. (قصة قصيرة)





المشهد الأول:



وقفت تتأمل المارة في ملل وهي تنتظر قطار الأنفاق 

لفتت نظرها وهي بسوادها مغطاة من الرأس وحتى القدم

تمسك بيد هذا الرجل  ذي اللحية الكثيفة المشعثة



يا لهذا الجهل والتخلف .. ألن يختفي أمثال هؤلاء من الوجود

في أي قرن نحن !! "قالتها في نفسها" وبدا منها نظرات الازدراء والتأفف لهما



دلفوا جميعا داخل العربة ، جلست على أحد الكراسي ونظرت تتأمل هذين المسخين !



وجدتها تقف بجواره صامتة وهو مشغول بمطالعة الهاتف .. كانت تنظر فيما حولها في ملل واضح

تنتظر أن تجلس

وكان هو يتجاهلها تماما .. طبعا وهل يعلم هذا الجاهل كيف يتعامل مع النساء؟!!



مر رجل من جوارها فلامس كتفه كتفها عن سهو وغير عمد

فانتفضت المرأة .. يا للجهل .. إنه لم يفعل شيئا .. أتظنه ذئبا !!

أما هو .. فنظراته النارية كادت أن تلتهمه لولا أن سارع الرجل باعتذار شديد وواضح ، وربتت هي على يده مهدئة في خوف جلي

ترى ماذا سيفعل فيها عندما يختلي بها .. طبعا سيؤنبها كثيرا ويكيل لها التهم ..

يؤنبها ..!! لا لعله سيضربها ..

فهؤلاء همج وحشيون .. لا يحسنون إلا هذا



عادت المرأة ذات السواد تتأمل العربة من حولها في ملل

وهو بات ملتصقا بها وكأنه "غفير" يحذر من يقترب من تلك الملكية الخاصة

تبا لكما .. إن أعصابي لا تتحمل هذا التعسف 



حركت – الجالسة-  خصلات شعرها للخلف ووضعت ساقا على ساق تتابع المشهد بشغف أكثر

وازدراء أكثر



رأتها وهي تنتبه لأحد الكراسي قد خلا من جالسه

فاستأذنت رجلها – الذي ما زال منشغلا بهاتفه- استأذنته في أن تجلس هناك على ذاك الكرسي

فأومأ لها برأسه وظل هو مكانه يراقبها



يا إلهي .. إني لم أعد أتحمل هذا الخنوع .. من تظن نفسها تلك المرأة

إنسانة أم حيوان يتبع هذا الشيء ذو اللحية المشعثة

أتنتظر إذن منه لكي تجلس على بعد خطوة أو اثنين!!



جلست– ذات السواد- تتأمل المنظر من النافذة .. فرن هاتفها المحمول يعلن عن وصول رسالة ما

انتبه رجلها مع الصوت كما انتبهت هي أيضا

فتحت الهاتف لتقرأ الرسالة ثم بعفوية شديدة صدرت منها ضحكات خفيفة مسموعة لمن يجاورها

فوضعت يدها على فمها مستدركة أمرها ونظرت إليه بخوف واعتذار

رمقها بنظرة حادة جدا ثم أشاح بوجهه عنها بعد أن هدأت ملامحه

أغلقت هاتفها وتعلقت أنظارها به قليلا تطمئن أنه غفر لها ولن يأكلها أو يقطعها إربُا ثم أشاحت بوجهها نحو النافذة



أفاقت صاحبتنا ذات الشعر الحريري والعطر الفواح والقوام الجذاب على صوت أحدهم وهو يردد اسم أحد المحطات

فأدركت أنه قد حان أوان نزولها هنا

قامت من مكانها متبخترة وألقت نظرة استحقار على تلك الجالسة هناك عند النافذة

وأخرى على ذاك الحارس الواقف هناك والذي كف عن العبث في هاتفه

ثم تركتهما برجعيتهما وتخلفهما وجهلهما ورائها

وانصرفت وهي تردد في أعماقها "تبا لكم ولأمثالكم أيها المتخلفون"

وأخذت تفكر في المصير الأسود الذي ستلاقيه تلك السوداء حين يختلي بها هذا الكائن



..



المشهد الثاني



دلف الحبيبان إلى جنتهما بعد يوم كامل من الفراق !

كان يومه شاقا في العمل .. كانت ملامح وجهه توحي بذلك

ورغم هذا لم يتأخر عن موعده معها لإحضارها من بيت والديها

كان يمكنه أن يعتذر لها وتحضر بنفسها .. ولكنه لم يفعل !



قامت لتحضر له الطعام فباغتها بسؤاله إن كانت تود شرب شيء يحضره لها !!

حاولت ثنيه عن ذلك .. فهو متعب

ولكنه أصر وعلى شفتيه ابتسامه توحي بصدق رغبته

تركته يفعل من دون عجب .. إنه ديدنه

كثيرا ما كان يحضر لها مشروبها الذي تحب ويأتي به إليها ويضعه بين يديها

وكثيرا ما كان يحضر لها الإفطار فتأكل من عمل يده

بل وكم من مرة ساعدها في ترتيب المنزل .. وتنظيف الأشياء وشراء الحاجيات

بل وأكثر من ذلك يفعله في سعة صدر وتواضع واصح لكل قلب وعين

حتى اعتادت منه ذلك فما عادت تعجب



أملت عليه طلبها فتقبله في سعادة وشرعت تتأمله وهو يحضره

وابتسمت حين تذكرت غيرته لما مس الرجل كتفها من غير عمد حتى كاد أن يلتهمه بعينيه

وابتسمت لما تذكرت كيف ظل واقفا بجانبها حارسا لها يخشى أن تمتد إليها عين لا يد فقط

وابتسمت لما تذكرت كيف علت ضحكاتها عند قراءة الرسالة فأوشك أن يرميها بشيء

وهو الذي يغار من أن يسمع أحد حديثهما فيتمتع بصوتها دونه !!



أفاقت من تأملها لما تذكرت الرسالة .. فأسرعت إليها تفتحها لتقرأها من جديد

وتمتع عينيها بالكلمة التي حوتها " أوحشتني أميرتي كثيرا .. فقط لو يسرع القطار! .. :)"



كان مشغولا بهاتفه ليرسل لها كلمة تعبر عن شوقه لها يشق بها عائق الزحام من حولهما

 .. وكم يتمنى لو أسرع القطار ليصل بها إلى جنتهما سريعا



شعرت بمشاعرها كتيار جارف .. فأسرعت إليه تحتضنه بعينيها وتشاركه تحضير المشروبات

وتغمرها وفرحة لا حد لهما

وفي قلبها رددت دعاءا ورجاءا

"يا رب أحفظ لي هذا الرجل ذي اللحية الكثيفة المشعثة "

جبل النفس



وقفت تحت سفح الجبل ذاهلة 
كيف ستعبر هذا؟

نظرة تلقائية إلى الكثبان من وراءها..
نظرة ذهول يلوحها إحباط إلى الجبل من جديد

همت بالرجوع
سمعت وقع خيل بجانبها
التفتت..
فتاة صغيرة تفرغ متاعها في ثقة
نظرت للجبل في تفحص واثق
أخرجت معولها..وبدأت العمل

وهي تراقبها ذاهلة!

(هدى) و(أماني)..





 
نزلتا من عربة السيدات بمترو الأنفاق

توجهتا نحو السلم المتحرك للخروج

تقدمت (أماني) لتصعد وسط زحام الركاب

فقبضت (هدى) على معصمها وجذبتها بعيدا قليلا وقالت في اعتياد:

- لما يصعد الرجال ويخف الزحام..

فقالت الأولى : ولكننا متأخرتان، فلنصعد!

فأعادت (هدى) قولها في هدوء: لمّا يخف زحام الرجال سنصعد نحن.

فانتظرت (أماني) على مضض



فلمّا صعد الجميع ولم يبق سواهما صعدتا

فقالت (أماني) باستنكار: وماذا كان سيحدث لو كنا صعدنا وسط الزحام؟! كان هناك نساء غيرنا!! 
نظرت (هدى) إليها وقالت: ولم يحدث شيء..لقد صعدنا ولكن في هدوء وتجنبنا الاختلاط.

رفعت (أماني) حاجباها في دهشة وقالت: اختلاط !!

(هدى) مبتسمة: نعم، تجنبنا موضع الاختلاط وفي النهاية صعدنا.

(أماني) في سخرية: وماذا لو كنا صعدنا معهم أو أمامهم، هل سيأكلوننا؟! ثم لمَ هذا الحذر، إنه لا يظهر منك شيء، ما أنتي إلا سواد!!

فتبسمت (هدى) وقالت: وماذا عنكِ؟ و أنت ترتدين هذه الملابس الفاتنة؟

تلعثمت (أماني) وهي تقول: هذا شأني، ثم هم ليسوا ذئابا وليس كل الناس بدون أخلاق.

هدى: يا (أماني) ليست المسألة هكذا..

ثم أمسكت يدها وهما تسيران وقالت : سأفهمك..هل قرأتِ يوما سورة القصص؟

أماني : طبعا

هدى: هل تذكرين الآية رقم (23 

(أماني) مفكرة: اهمم، وماذا فيها؟

هدى: يقول الله تعالى فيها: { وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) } [القصص 24:23]




فتاتان ذهبتا لتسقيان الغنم بدلا من أبيهما الشيخ الكبير؛ فلما ذهبتا وجدتا الرجال يتزاحمون على البئر. فهل زاحمتاهما؟

الغنم عطشى والبئر مزدحم بالرجال والوقت يمر ولا تريدان أن تتأخرا عن الشيخ الكبير؟ فماذا صنعتا؟

وقفتا بعيدا تكفان الغنم العطشى عن الماء حتى يمضى الرجال، حياءً من مزاحمتهم، وإدراكا منهما لخطر الاختلاط بهم.

 ثم نظرت إليها وهي تبتسم قائلة:

و هما من هما، لقد ذكر بعض المفسرين أنهما ابنتا نبي الله شعيب، وعلينا بذلك أن نتأسى بهما وبأخلاقهما..أليس كذلك؟

قالت (أماني) وهي تنظر لـ (هدى) في دهشة: لهذه الدرجة؟

فضحكت (هدى) وقالت: نعم، والآن ماذا ستفعلين لو وجدتِ تزاحم الرجال على مكان أو شيء تريدينه؟

(أماني) وهي تشيح بوجهها وتقول برتابة: عليّ الانتظار حتى ينتهي الرجال أولا.

هدى: هكذا ...أحسنتِ بارك الله فيكِ.

صعدت الاثنتان السلم حتى وصلتا إلى ماكينات الخروج من المحطة

وبعد أن تعلمت (أماني) الدرس، انتظرت مع (هدي) حتى ينتهي هذا الزحام من الركاب والذي كان أغلبه من الرجال؛ ثم لما خف الزحام قليلا مررا تذكرتيهما وخرجتا من المحطة.







خرجت (هدى) و(أماني) من بوابة الخروج في المحطة، فتوقفت (هدي) قليلا على جانب الطريق ترقب شيء ما؛ ثم قالت:

- (أماني)..تعالي سنسير من هنا على جانب الطريق.

سارت (أماني) وراءها إلى حيث أشارت، فوجدتها تنتحي إلى جانب ضيق من الطريق وتسير بجانب الجدار،  فقالت في ضيق:

- لماذا نسير إلى جانب الطريق هكذا كالأطفال؟!

قالت (هدى): وأين تريديننا أن نسير؟

أماني: الشارع متسع، نسير كما يسير الناس.

هدى: تقصدين في منتصف الطريق؟

أماني) متوجسة: نعم .. )

هدى: ولكننا منهيات عن ذلك.

 نظرت (أماني) لها في دهشة وقالت في استغراب:

 - منهيات عن ماذا يا (هدى)؟

هدي: رويدك رويدك ما بك، نعم إننا النساء منهيات عن السير في منتصف الطريق ومأمورون بالسير عند جوانبه.

(أماني) في غضب: ومن قال هذا !! ما هذا التشدد؟!!

 (هدي) في تبسم: تشدد !! حسنا..سأصمت نهائيا

وصمتت برهة ثم قالت في حماس:

- لو كنتِ أحضرتِ سيارتك لكنا ما سرنا في الطريق من الأساس.

(أماني) في مرح: لا..هل جننتْ ؟، الطرق اليوم مزدحمة والسيارة جديدة، خشيت عليها كثيرا وآثرت تركها خاصة أن طريقنا ليس بعيدا.

قالت (هدى) في نبرة ذات مغزى:

- اهمم، خفتِ عليها، وأين تركتيها إذن؟ تحت منزلك؟

أماني: لا طبعا، تحت منزلي!! أنت تعلمين حال المنطقة التي أسكن فيها، لو تركتها تحت المنزل لعدت وجدتها خردة، لقد وضعتها في شارع بعيد عن بيتي قليلا.

قالت (هدى) ولازالت نبرتها تحمل مغزى ما:

- وهذا الشارع طبعا حرصتِ أن يكون هادئ وغير مزدحم والمارة فيه قليلون.

أماني: أكيد

هدى: وطبعا أوقفتِها إلى جانب الطريق وألصقتِها بالجدار قدر استطاعتك.

قالت (أماني) وقد بدأت تفهم مغزى هدى من الكلام: نعم..

هدى: ولماذا ذلك؟

أماني: حتى تكون بعيدا عن موضع مرور السيارات وأضمن سلامتها.

هدى مبتسمة: نعم، سيارة غالية في ثمنها وقيمتها تستحق كل هذا الحرص فعلا.

أماني: .....

قالت (هدى) في جد وحماس بعد أن فهمت (أماني) المغزى:

- إذا لماذا تستنكري عليّ أن أنأى بنفسي عن السير في منتصف الطريق حيث يتخبط الرجال بي ويؤذونني فأسير إلى جوانبه؟ بل هذا امتثال لنهي شرعي وليس تصرف شخصي، لقد نهانا شرعنا عن ذلك، فلم العجب من حرص الشرع علينا كنساء وأنتِ تحرصين على سيارتك هذا الحرص؟!!

إنك تفعلين ذلك لأنها غالية الثمن والقيمة عندك، فلقد حدثتني من قبل كيف ادخرت ثمنها لتشتريها، فقيمتها عندك غالية. وكذلك الشرع يقدر المرأة ويفرض عليها ما يحفظ جسدها وقلبها وروحها من أبسط أذى.  


أنصتت (أماني) لكلام (هدى) فاستطردت الأخيرة قائلة:

- لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم من المسجد بعد الصلاة، فوجد الطريق قد اختلط فيه الرجال بالنساء، فلم يرضه ذلك لما فيه من ضرر، فقال صلى الله عليه وسلم للنساء: "( اسْتَأْخِرْنَ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيق) فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ"  (رواه أبو داوود).   

ومعنى الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الاختلاط بين الصحابة والصحابيات بعد الخروج من المسجد أمر النساء بأن يلتزمن حواف الطريق حفظا لهن ولعفتهن،  فبربك لم هذا؟


نظرت (أماني) لها نظرة من يريد المزيد فقالت (هدى):

- لأننا غاليات جدا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وغاليات في شريعتنا، كمثل سيارتك التي هي غالية عندك جدا لذا توقفيها بعيدا عن الأيدي والأنظار والزحام. نحن عند الله ورسوله كاللآليء الغالية لذا دائما تأتي شريعتنا بأوامر فيها حث على التخفي والتنحي عن مواطن الرجال حفاظا علينا من أي يد تمس أو أي عين تنظر.. هل فهمتي الآن حبيبتي؟
 

أماني: نعم يا هدى فهمتك، معكِ حق، من منا تنكر أنها لا تتأذى في المواصلات أو الشارع أو في أي مكان بسبب اختلاطها بالرجال وعدم مراعاتها لذلك أو تجنبه؟ لا أستطيع أن أنكر ذلك لأن الأذى يحدث فعلا ويقع..لكنّي في المرة القادمة سأعرف ما قول الشرع في ذلك وألتزم به حفاظا على نفسي. 

(هدى) بابتسامة واسعة : نعم هكذا حبيبتي.. بارك الله فيكِ




مشت (هدي) و(أماني) على جانب الطريق حتى وصلتا إلى سوق صغير

فتوقفت (أماني) قائلة:

- (هدى) معذرة هل يمكن أن نتوقف قليلا لنشتري بعض الأشياء من هنا؟

هدى: لا بأس حبيبتي تفضلي، وأنا سأنتظرك هنا لأجري مكالمة ضرورية.

أماني: حسنا

وقفت (هدى) تتحدث في الهاتف وتراقب (أماني) من بعيد وهي تتحدث إلى البائع .

ولاحظت (هدى) أن (أماني) تتبسط في الحديث مع البائع وتضحك من أقواله ومزاحه

فلما انتهت (أماني) من الشراء توجهت إلى (هدى) والتي أنهت مكالمتها بدورها

 فسألتها (هدى): ماذا اشتريت؟

أماني: بعض الحاجيات لأمي

هدى: وعلام كنت تضحكين؟

(أماني) في مرح: كنت أحاول الفصال مع البائع وكان يراودني عن ذلك، ولكني انتصرت في النهاية !

(هدى) في استنكار: بهذا التبسط والضحك؟

(أماني) في ملل: وماذا في ذلك أيضا؟ هل في ذلك شيء؟ لقد كان الرجل محترما ولم يخرج عن اللائق في الكلام، ولا أنا!!

هدى في هدوء: طبعا حبيبتي، نيتك حسنة ونحسبه أيضا كذلك، أنتِ تريدين الفصال وهو يريد ألا يخسر في سلعته..ولكن الوسيلة تحتاج تنبيه.   

حبيبتي، لقد أشار الله عزوجل إلى ما ينبغي أن يكون عليه سلوك المرأة في محادثاتها مع الرجال، عندما قال عزوجل في القرآن: {فلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} [الأحزاب : 32]

يعني ينبغي عليك عند محادثتك للرجال ألا تتبسطي في الحديث وأن يكون الحديث على قدر الحاجة درءا للفتنة، و... .

أماني: وأي فتنة في ذلك!! إني أتحدث إلى البائع بشأن سلعته!!

هدى: نعم حبيبتي حديثك مع البائع ضرورة لكن ينبغي أن تلتزمي فيه بالضوابط المطلوبة التي فرضها عليك الشرع.

(أماني) في ضيق: وما هذه الضوابط؟

هدى: أن يكون كلامك على قدر الحاجة فقط، جادا لا لين فيه، وإذا وجدت من البائع تبسطا في الكلام فلا تجاريه بل رديه.

(أماني) وهي تشيح بوجهها عن (هدى):

- ولكن كلامك هذا صعب التحقيق في الواقع يا (هدى)، فأنا مضطرة وأنا أحادث البائع أن أجادله في السعر حتى يخفضه لي، وقد يرقق لي الكلام حتى يردني أو يكسبني كـ (زبون)  فلا أرى أي فتنة في ذلك، يعني بصراحة كلامك صعب التطبيق الواقعي ولا أقتنع به.

هدى: هل تعتقدين ذلك حقا؟ إذا سأخبرك بمثال بسيط جدا...

في سورة القصص، - نحن كنا نتحدث عنها منذ قليل- ذكرنا فيها قصة الفتاتين ابنتا نبي الله شعيب..

أماني: نعم

هدى: هل تذكرين باقي قصتهما؟

أماني: نعم تزوج نبي الله موسى من إحداهما

هدي: صحيح..

لما رأى نبي الله موسى الفتاتين واقفتين بعيدا عن الرجال تريدان السقيا ولا تستطيعان؛ سقا لهما شفقة وتقديرا لعفتهما. فلما ذهبتا إلى أبيهما وذكرا له شهامة نبي الله موسى عليه السلام، أرسل إليه إحداهما تدعوه إلى مقابلة أبيها، قال الله عزوجل حاكيا لنا عن ذلك: {فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا(9)}

أماني وقد بدأت تفهم المغزى : هل تقصدين أنها كانت تحادثه بحياء؟

(هدى) بحماس: بل أقصد ما هو أكثر من ذلك، تأملي كلام الفتاة، لقد قالت: { إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا }

ألا تلاحظين شيئا!! أننا لا نستطيع حذف أي كلمة من الجملة و إلا اختل المعنى ولن نفهم المراد..جربي!

تمتمت (أماني) بالآية في خفوت ثم قالت في دهشة: فعلا صحيح!!

استطردت (هدى) في حماس: بل والأكثر، أن الفتاة لما سارت مع نبي الله موسى إلى أبيها لم يكن يعلم الطريق، فسارت أمامه لتدله عليه، فلما كانت الريح تأتي على ثوبها فيتطاير انكشف منها بعض ساقيها، فنادها نبي الله موسى: "يا أمة الله كوني خلفي، ودليني الطريق" فسارت خلفه، فكانت إذا أرادته أن ينعطف يمينا أو يسارا كانت لا تخبره بصوتها بل كانت تلقي بحجر في الاتجاه الذي تريده فيتبعه نبي الله موسى عليه السلام.

شهقت (أماني) قائلة متعجبة : بااااه ألهذه الدرجة؟!! 

قالت (هدى): نعم أختي، انظري.. فالفتاة لشدة حياءها وعفتها ومعرفتها بقدرها كامرأة لم تتحدث مع نبي الله موسى إلا في كلمات بسيطة أوصلت له بها ما تريد ورغم أن إرشادها له في الطريق بمثابة ضرورة إلا أنها كانت تتصرف بحذر شديد وعفة عالية وحياء نادر.

وانظري لرد فعل نبي الله موسى لما رأى ذلك منها وكيف تعامل معها، كان حريصا على سترها وعلى العفة والحياء الذي وجده منها... هل فهمتِني حبيبتي؟



 أماني: نعم، أنت تقصدين أنه رغم أن التعامل مع البائع ضرورة إلا أنه يجب عليّ أن التزم فيه بالضوابط، وأن أتعفف عن أي تبسط في الحديث أو مضاحكة، وأن الأمر لا يتعلق بالنوايا إنما الأمر يتعلق بالعفة والحياء الذي يجب أن تكون عليه المرأة أيا ما كان الرجل الذي أمامها. 
هدى: نعم..أحسنتِ. واعلمي أن الله سيجازيكِ على التزامك بكل ذلك خيرا..

فتلك الفتاة لهذا الرقي في خلقها كان جزائها أن هي التي تزوجها نبي الله موسى، فكانت امرأة كليم الله؛  بل وخلد الله حيائها في كتابه العزيز لما قال عنها { فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء } فانظري كيف لم يذكر الله من صفاتها إلا حيائها بل وشهد لها به بذكره!!

(أماني) في نشوى: يا الله، أنت تعلمين أشياء جميلة يا هدى، كيف تعلمت ذلك وأين؟

(هدى) في سعادة: نعم إنها أشياء جميلة، إنه العلم، العلم بالقرآن والسنة والشرع وبمراد الله وحكمته في كل ما أمر به ونهى عنه..

ولكن ليس بالعلم وحده يكفي، بل يجب العمل أيضا بكل ذلك، فالعمل مهم جدا 

وهو الذي يرقى بالنفس إلى هذه الأخلاق الجميلة التي حدثتك عنها

أماني: نعم معكِ حق.





كانت الفتاتان قد وصلتا أخيرا إلى بيتيهما

وهما يسكنان في شارع واحد فقالت هدى:

- ها نحن ذا وصلنا إلى البيت، سأصعد الآن إلى منزلي. هل تريدين مني شيئا حبيبتي قبل المغادرة؟

أماني : نعم أريد أن أتعلم مثلك ، أريدك أن تقابلينني كل أسبوع وتعلمينني هذه الأشياء حتى يكون سلوكي مثل ما رأيت منك اليوم.

تهلل وجه (هدى) فرحا وقالت: طبعا حبيبتي أنا تحت أمرك. سوف أهاتفك غدا إن شاء الله لنتفق على الموعد ونتقابل ونتجالس أنا وأنتي تحفنا الملائكة ونتعلم كيف يكون سلوك المسلمة خارج بيتها.  
أماني: حسنا سأنتظر مكالمتك.

هدى في فرح: حسنا، سأتركك الآن،  السلام عليكم .

أماني: وعليكم السلام ورحمة الله

ثم التفت وسارت نحو بيتها






حبيبتي المسلمة

وأنتِ أختي الملتزمة

هذه قصة خيالية صغتها في حوار دار بين فتاتين

أحدهما ملتزمة نسأل الله أن يكثر من أمثالها بين المسلمات

والأخرى نسأل الله أن يمن علي من مثلها  بالهداية والرشاد

   وما صغته لكي إلا ذكرى بهذه السلوكيات الراقية التي نفتقدها الآن في شوارعنا

وإنه لمن المؤسف أن نكون أشد فقدا لها في من تحلت بالسمت الظاهر

حبيبتي

ينبغي عليكِ أن تعيدي النظر في سلوكك خارج منزلك

في المواصلات

في الشارع

في الأسواق

وتعلمين أين أنتِ من أخلاق الصحابيات وأمهات المؤمنين

أين أنتِ من امتثال أوامر الله ومن العمل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المواقف

أين أنتِ من السلوك والخلق القويم

آختاه كوني قدوة لغيرك فالأنظار عليكِ

والجميع ينبغي أن يتعلم منك

من سيحيي هذه السلوكيات إن أهملتِها؟!

وقفة بسيطة مع النفس لن تضيرك

بل

 ربما يعقبها هدىّ العشرات على يديك

فقط من خلال سلوكك وأخلاقك خارج منزلك

رسالتي للمسلمات عامة، ولكي أنتِ أيتها الملتزمة، المنتقبة، المحجبة خاصة

راجعي سلوكك خارج بيتك، والتزمي فعلا وسلوكا كما التزمتِ ملبسا

أسأل الله أن يمن علينا بالاستقامة والهدى

وأن يحسن أخلاقنا وسلوكنا كما حسن مظهرنا

إنه ولي ذلك والقادر عليه